Loading...
رئيس مجلس الإدارة
د.حاتم صادق

المصرى اون لاينبوابة خبرية متخصصة

رئيس التحرير
قدري الحجار

تركيا الي اين؟
الدكتور حاتم صادق

الدكتور حاتم صادق

تشهد تركيا مظاهرات واسعة النطاق بسبب اعتقال أكرم إمام أوغلو، رئيس بلدية إسطنبول وزعيم بارز في حزب الشعب الجمهوري المعارض، واعتُقل إمام أوغلو مع أكثر من 100 شخص آخرين بتهم تشمل الفساد تشمل الرشوة، التلاعب بالمناقصات، الاحتيال، ومساعدة حزب العمال الكردستاني (PKK) المصنف كجماعة إرهابية، وقيادة منظمة إجرامية. كان مخطط إخراج إمام أوغلو من اللعب محسوبا وشاملا، واعتقاله جاء بعد يوم واحد من إلغاء جامعة إسطنبول لشهادته الجامعية بسبب “مخالفات” مزعومة، وهي خطوة قد تمنعه من الترشح للرئاسة لأن الدستور التركي يشترط حصول المرشح على شهادة جامعية. كل هذا حدث قبل أيام من اختياره كمرشح رئاسي لحزب الشعب الجمهوري في 23 مارس الجاري، مما أثار شكوكا واسعة حول الدوافع السياسية وراء الاعتقال.

بدأت المظاهرات في إسطنبول، العاصمة الاقتصادية والثقافية، وامتدت إلى أنقرة، إزمير، ومدن أخرى، حيث تشير التقديرات إلى مشاركة عشرات الآلاف، وربما أكثر من 300 ألف شخص عبر 32 محافظة بحسب بعض التقارير غير المؤكدة. والاحتجاجات مازالت مستمرة منذ 19 مارس، وتصاعدت حدتها، مما يجعلها أكبر موجة احتجاجات منذ احتجاجات جيزي بارك عام 2013. وتضم المتظاهرين طلاب الجامعات، أنصار المعارضة، عمال البلديات، وحتى بعض المحامين الذين يرون في الاعتقال انتهاكًا للدستور.

يُنظر إلى اعتقال إمام أوغلو على أنه محاولة من الرئيس رجب طيب أردوغان وحزب العدالة والتنمية لإقصاء منافس قوي. إمام أوغلو، الذي هزم حزب أردوغان في انتخابات بلدية إسطنبول مرتين (2019 و2024)، يتصدر استطلاعات الرأي كمرشح محتمل للرئاسة، مما يجعله تهديدًا مباشرًا لأردوغان الذي يحكم منذ 22 عامًا.

المعارضة، بقيادة أوزغور أوزيل رئيس حزب الشعب الجمهوري، وصفت الاعتقال بـ" الانقلاب السياسي" ضد إرادة الشعب، مشيرة إلى أنه جزء من حملة أوسع لقمع المعارضة تشمل اعتقالات سابقة لسياسيين وصحفيين. واكدت ان إلغاء شهادة أوغلو يُعتبر دليلاً إضافيًا على التلاعب القانوني.

الاحتجاجات تأتي في ظل أزمة اقتصادية متفاقمة، حيث انخفضت الليرة التركية بنسبة تصل إلى 12-14.5% مقابل الدولار بعد الاعتقال، وسجل مؤشر البورصة هبوطًا حادًا بنسبة 8.7%. هذا الانهيار عزز الغضب الشعبي ضد الحكومة.

وجاء رد فعل الحكومة ليزيد الطين بله، حيث فرضت السلطات حظرًا على التجمعات لمدة أربعة أيام في إسطنبول، واستخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي وخراطيم المياه لتفريق المتظاهرين. وتم اعتقال ما لا يقل عن 88 متظاهرا و37 شخصا بتهمة نشر "منشورات استفزازية" على وسائل التواصل الاجتماعي. ليس هذا وحسب، بل قامت الحكومة بخطوة استفزازية اخري بعد ان تم تقييد الوصول إلى منصات مثل X، يوتيوب، وإنستغرام، وفقًا لتقارير منظمة Netblocks، في محاولة للحد من تنظيم الاحتجاجات. أردوغان والمسؤولون الحكوميون، مثل وزير العدل يلماز تونج، دافعوا عن الاعتقال كإجراء قانوني مستقل، رافضين اتهامات التسييس، وحذروا من أن الاحتجاجات تهدد استقرار البلاد.

الاحتجاجات قد تعزز مكانة إمام أوغلو كرمز للمقاومة ضد أردوغان، خاصة إذا أفرج عنه أو استمر دعم الشارع له. لكنها قد تدفع الحكومة أيضًا إلى مزيد من القمع، مما يعمق الانقسامات في المجتمع التركي.

علي المستوي الخارجي لم تكن الصورة أحسن حالا، حيث ندد كلا من الاتحاد الأوروبي، فرنسا، وألمانيا بالاعتقالات ووصفوها كضربة للديمقراطية، بينما وصفته منظمات حقوقية مثل “هيومن رايتس ووتش” بأنه “إساءة استخدام للنظام القضائي”. هذا الضغط الدولي قد يزيد العزلة السياسية لأردوغان، لكنه قد لا يكون كافيًا لتغيير مسار الأحداث داخليًا.

بالفعل الاحتجاجات تُظهر أن المعارضة، رغم القمع، لا تزال قادرة على حشد أعداد كبيرة، مما يشير إلى استياء شعبي متزايد من حكم أردوغان. كما ان نجاح إمام أوغلو في إسطنبول سابقا يعكس دعما واسعا قد يتحول إلى حركة أكبر. فإذا استمر القمع أو طالت فترة احتجاز إمام أوغلو، فقد تتحول الاحتجاجات إلى مواجهات أكثر عنفا، مشابها لما حدث في جيزي بارك، لكن بتداعيات أكبر نظرًا للأزمة الاقتصادية الحالية خاصة بعد ان رفع البنك المركزي سعر الفائدة إلى 46% وباع ما بين 8-10 مليارات دولار من احتياطياته لدعم الليرة، لكن الأسواق لا تزال تعاني من عدم الاستقرار، مما يعكس مخاوف المستثمرين من تصاعد الأزمة السياسية. أيضا هناك قضية اللاجئين والتوترات الاجتماعية الناتجه عن تلك الازمة، و
في السنوات الأخيرة، أدت الأزمة الاقتصادية إلى تحميل اللاجئين (خاصة السوريين) مسؤولية بعض المشاكل، مما أثار احتجاجات وهجمات عنصرية، كما حدث في يونيو 2024. وفضلا عما سبق فهناك بعض القضايا العسكرية والعلمانية وأزمة فصل ضباط من الجيش مطلع هذا الشهر بسبب ما يُعرف بـ ” مظاهرة الضباط” التي راتها المعارضة استهدافا للهوية العلمانية التقليدية للجيش. هذا النوع من الإجراءات قد يشعل مظاهرات كبيرة إذا اعتبرها الجمهور تجاوزًا على المؤسسة العسكرية أو محاولة لتعزيز سيطرة الحكومة.

لا يريد أردوغان حماية رئاسته فحسب - بل يريد أيضا استعادة اسطنبول. لم تكن خسارة المدينة للمعارضة في عام 2019 نكسة سياسية فحسب، بل كانت أيضا ضربة مالية. قطعت أردوغان عن الموارد الهائلة للمدينة، التي غذت شبكة رعايته لعقود. ويمكن أن تساعد استعادة اسطنبول في الحفاظ على تشغيل آلته السياسية في وقت يعاني فيه من أزمات الاقتصادية عنيفة.

مظاهرات تركيا الجارية تعكس أزمة متعددة الأبعاد: سياسية (صراع أردوغان والمعارضة)، اقتصادية (انهيار الليرة)، واجتماعية (فقدان الثقة بالقضاء). وجاء اعتقال إمام أوغلو كنقطة تحول، إما لصالح تعزيز المعارضة أو لتشديد قبضة الحكومة. النتيجة تعتمد على مدى استمرار الزخم الشعبي وقدرة الحكومة على احتواء الأزمة دون خسائر كبيرة. ويبقي ان الاحتجاجات تضع أردوغان في موقف حرج؛ فهو إما أن يتراجع لتهدئة الوضع ويخسر هيبته، أو يصعد القمع ويخاطر بمزيد من العزلة داخليًا وخارجيًا.



تواصل معنا